الرئيسية / أركان الإسلام / الاركان الحقيقية للإسلام كما وردت في آيات القرآن الحكيم

الاركان الحقيقية للإسلام كما وردت في آيات القرآن الحكيم

إن أول ما يتبادر إلى الذهن ونحن بصدد هذا العنوان، الذي نوجّه به تحذيرًا وفي غاية الأهمية، من هجر القرآن والانصراف عنه، واتباع الروايات الملفّقة، هو الوقوف على ما راج وشاع وتناقله المسلمون منذ قرون على أنها مسلّمات لا بدّ من الإذعان لها من دون مراجعة أو تدبّر أو تحقّق.. فمن ذلك القولُ بأن أركان الإسلام الرئيسية قد انحصرت فيما أسموها الأركان الخمسة للاسلام حيث تربت عليها أجيال ونشأت على تعليم أركان الإسلام بأنها تنحصر فقط (النطق بالشهادتين وتأدية الصلاة والزكاة والصوم والحج).

إذ اعتبروها إسلاماً في حد ذاتها، وليس في المبادئ التي تدعو إليها، ولم يكلف العلماء الذين روَّجوا وادعوا إختزال الإسلام فيما أسموه بالأركان الخمسةـ لم يكلفوا أنفسهم مشقّة تبيان الاركان الحقيقية للاسلام  الذي تضمنته ايات القرآن الحكيم.

إنّ كلّ ما فعله دعاة الاسلام وشيوخه الاقدمين وقاموا به أنّهم نقلوا إلينا مفاهيم وتأويلات فقهية واجتهادات بشرية حوّلت الوسائل التي هى الشعائر وجعلتها غايات، فالتبس الأمر وغاب عن الناس أصل الدين ومقاصده العليا، تلك التي يدعو إليها القرآن، والتي تجسّد في حقيقتها الإسلام الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام والأنبياء من قبله بما شملته الرسالة من تقويم للفرد وبناء شخصية المسلم بمجموعة من الأخلاق والفضائل والقيم النبيلة لخلق مجتمعات مسالمة يتحقق فيها العدل والرحمة والحرية والتعاون فيما بين أفرادها ويتمتعون بما منحهم الله سبحانه نعماً مختلفة من زروع وثروات متعددة ليعيشوا في رغد من العيش وتوافر الرزق والحياة الكريمة يعمها الامن والرخاء والسلام.

فلا عجب إذن ولا غرابة في أن نجد المسلمين اليوم يفتقدون كثيرًاً من الأخلاق والقيم والمبادئ الإنسانية، فنرى غالبية المسلمين ممَنْ يصلّون ويصومون ويحجون، لكن سلوكهم ليس من الإسلام في شيء ذلك لأنهم شبّوا على الاعتقاد الخاطئ، بأن الطقوس أو الممارسات التعبدية هي الغايات والأهداف، أما الأخلاق والمبادئ والقيم الإنسانية العليا فليست من الأركان أو من الأصول الإسلامية.

ولم يخرج حتى يومنا هذا من يطلقها جلية واضحة صريحة ويعتمدها فى مقرّرات التعليم، ويعلن بصوت مسموع أن الشعائر الدينية وسيلة لأجل هدف وغاية سامية ترتقي بالفرد لمصاف الإنسانية العليا، تلك التي ينشدها هذا الدين من تقويم لشخصية الفرد ليكون عضواصالحا فى المجتمع يساهم فى كل ماينفع الناس ويصلح حالهم .

فالمبادئ والقيم والأخلاق من أجلها جُعلت الصلاة والزكاة والصيام والحج، وأن ما أطلقوا عليها أو  حصروا تسميتها بالأركان، تجاهلوا أو غفلوا عن أنها مجرد وسائل موصلة لمقاصد وغايات عليا هى الأخلاق والقيم والمبادئ السامية التى ترتقى بسلوك الانسان وتعامله مع الناس .

إن جملة الممارسات والشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج، هي  فى الأساس وسائل تدفع بالإنسان إلى الوصول إلى الإسلام .. الذي هو جملة الأخلاق التي جاء بها القرآن، ودعا إليها النبي عليه الصلاة والسلام والأنبياء من قبله، وهذه الوسائل تكمن قيمتها في التدبر فى القران لمعرفة مرادالله فى والتربية والتزكية وكبح جماح النفس عن الظلم والاعتداء على الناس والافتراء بدافع القوة او الثروة اوالسلطة والمكانة الاجتماعية.

فغاية التذكير والتربية والتزكية عبادة الله، وتفعيل دور الأخلاق في الممارسات البشرية لصلاح المجتمع الإنساني، والاستخلاف في الأرض وعمارتها ،ليصلوا بذلك إلى تحصيل السعادة حينما يتحقق للناس الرحمة والعدل والحرية والسلام وتكون الكلمة الطيبة وسيلة التخاطب بين الناس لتتحقق الالفة والمودة والتراحم.

وما يردّدونه ويطلقونه فى شعار أركان الإسلام المختزلة  ليس بمستغرب ألا نجده فى كتاب الله القرآن المجيد ولاتوجد اية تتحدث عنه فى الخطاب الالهي   والذي يصادم مفهوماً قرآنياً واضحاً، حين لا تكون الأخلاق والمبادئ والقيم الإنسانية العادلة موجودة ضمن أركان الإسلام التى تدعو لها رسالة الاسلام والتى انزلها الله على رسوله الكريم .

إنه مصطلح لم يأتِ به نصًّ من قرآن، وإنّما هو من قبيل الوضع الاصطلاحي، وضعه الفقهاء استناداً لرواية البخاري ومسلم، منقولاً عن ابن عمر بن الخطاب)  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بُني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان).

هذا هو سند القائلين بحصر أركان الإسلام فى شعائر العبادات وتلك هي حجة  القوم الذين صدقوا الروايات  بلا نص من كتاب الله   لتتحول تلك الروايةَ لرسم ملامح الدين بكامله، بل ينسفون بهذه الرواية منهجاَ قرآنياً واضحاً فيما يتعلق بمنهج إلهي متكامل لسعادة الانسان فى التشريع الذى يستنبط منه القوانين لتنظيم العلاقات الاجتماعية بين الناس وتقنين كافة المعاملات المدنية وما فيه من دعوة لاتباع قيم الفضيلة والاخلاق الكريمة فى التعامل بين النا س وفيه قواعد الحدود واسس حماية المجتمع من الاعتداء على الحقوق والممتلكات.

وحيث أن الأصل فى الدين أن يقوم على العدل والأخلاق والمبادئ الإنسانية الساميه تأتي هذه الرواية لتقول عكس ذلك. بل وتختزل أركان الإسلام في ممارسات تعبدية وشعائر، إن أقامها الفرد حسن إسلامه واستقام دينه ولو كان سارقاً أو خائناً أو كاذباً أو حتى قاتلاً، مادام قد أدّى الأركان المذكورة ، ومن هنا نرى أن القرآن الكريم حدّد معالم الإَسلام لرسالته للإنسانية التي تبيّن للناس حقيقة الرسالة بقوله تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتْى الُزَّكَاةَ وَالْموُفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأسِ أولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )البقرة: 177

تلك كانت بداية الطامة الكبرى لأمتنا، إذ رأينا المساجد عامرة بالمصلّين والملايين فى موسم الحج والعمرة، والتباري فى دفع الزكاة، والصيام على أشده. وإلى جانب ذلك وجنباً إلى جنب رأينا الغش، والفساد، والسرقة، والاقتتال بين المسلمين رأينا البيئة الحاضنة للتردي الأخلاقي والسلوكي هي بيئة ومحيط ملتزم كل الالتزام بالأركان المختزلة المدّعى بأنها هي فقط أركان الإسلام.

نعم: رأينا كل ذلك ما دامت الانطلاقة والقاعدة التعريفية لأركان الإسلام قد اختزلت أركانه فى الشعائر الدينية، وسنرى أكثر من ذلك مادمنا مصرّين على عدم مراجعة الأمر وتصويبه وفق الخطاب الإلهي في القرآن الكريم والذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ولو تدبرنا كتاب الله حق التدبّر، لوقفنا على الأمر من دون لبس أوإبهام فالإسلام يقوم بنيانه على الأخلاق، وما تكاليف العبادات إلا وسائل تصل بنالتمام التوحيد والسمو الأخلاقي وتطهير النفس وتزكيتها.

فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة مهمة في مساعدة الفقراء والمساكين وتطهير النفس من الشح، وتعتبر الزكاة عَبادة عظّمها الله سبحانه وجعلها دائماً مقترنة بالصلاة، حيث قوله تعالى (وَأقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ )البقرة:43 وبتنفيذ الطاعة لله يتحقق بذلك للإنسان اليقين بأن الله سيعوّضه عما أنفق وتتأكد ثقته في وعد الله فما عند الله من رزق لاينفذ  كما يطهر النفس من الجشع والخوف من نقص المال ليؤمن أنّ من رزقه في الماضي لن يتخلّى عنه فى المستقبل وحج بيت الله الحرام حيث يرى الناس أنفسهم جميعاً من شتى بقاع الأرض متساوين في الملبس والمسكن، تذوب الفوارق بين الناس حينما يتساوى الملك والصعلوك والغني والفقير والقوي والضعيف، والكل أعناقهم مشرئبة للسماء فلا كبير غير الله ولا غني غير الواحد الأحد وَلَا ملك غير الحي القيوم يستهدف حج بيت الله التعارف بين المسلمين من اجل تحقيق مصالح ومنافع بينهم حيث يقول سبحانه تعالى (لِيَشهَدَوا مَنافِعَ لَهُم وَيَذكَرُوا اسمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعلوماتٍ عَلىٰ ما رَزَقَهُم مِن بَهيمَةِ الأنعامِۖ   فَكُلوا مِنها وَأطعِمُوا البائِسَ الفَقيرَ) الحج 28 وتحقق تلك الرحلة الدينية ممارسة عملية فى التواصل بين الناس والتعارف كما يتخلى الانسان عمالحقه من شوائب وآثامة فى حياته يلجأ الى الله  بالذكر والدعاء اثناء الطواف والسعي حيث يرى كل انسان مشغول بنفسه وكل انسان يسعى ملبيا وداعياالى الله ان يغفر له ماقترفه من ذنوب راجياتوبته ورضاه فيدرك الإنسان  بعد عودته من الحج أو العمرة إلى وطنه  يراجع حساباته ويؤكد علاقته مع الله فى عبادته وعمله حيث يعود  إلى رشده ويدرك حقيقة خلقه ويستمد الطاقة من ربه وترتقي بذلك نفسه يرجع لوطنه وقد ازداد إيمانًا وأدرك قيمة الحياة فهي متا ع الغرور ليصحح من سيرته فيتحسن سلوكه ليعيش في حياة سعيدة مطمئنة وراضية بما قسم له الله من رزق.

وأما الصوم في شهر رمضان فهو التزام بطاعة الله وتدريب النفس على السيطرة على الشهوات وكبح جماحها عن كل ملذات الحياة والإنقطاع لعبادة الله وحده، والتحلي بالأخلاق الفاضلة بممارسة التسامح مع الناس والإحسان اليهم والإعراض عن اللغو ولا يتعالى على خلق الله ولا يأكل اموال الناس بالباطل وأن يتحلى بالصدق والوفاء بالعهود والعقود وعدم الاعتداء على الناس باللسان او باليد والابتعاد عن النميمة يطهر النفوس فترتقى الى مصاف عباد الرحمن الذين استقامواعلى الصراط المستقيم وتسابقوا الى الخيرات وعملوا الصالحات.

فكل الشعائر والعبادات هي وسائل لتلك المقاصد الأخلاقية، ذلك أنّ الإسلام يتمحور فى عنوان الأخلاق العالية التي دعا إليهاالقرآن، وهي نفسهاالأخلاق التي دعا إليها الأنبياء والتزموا بها عليهم السلام حتى مبعث الأمين محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء والمرسلين.

إذ لايوجد نص فى القران ان جاءت آياته تقول انا أرسلنا رسلنا ليقيم الناس الصلاة والزكاة والصوم والحج، فهذه ليست مقاصد الخالق سبحانه ومراده لخلقه وإنما هي فرائض وشرائع ليست مطلوبة لذاتها ،وإنما وسائل مطلوبة لغيرها، وهو تحقيق العبودية لله تعالى والاستخلاف وعمارة الأرض ولذلك أرسل الله الرسل وأنزل معهم الكتاب ليقوم الناس بالقسط في كل الأعمال الخيرّة والفضائل والأخلاق التي من موجباتها الارتقاء بأخلاقيات الانسان حتى لا يفسدوا في الأرض أو يعتدوا على الناس ويسفكوا الدماء، ولكي يخلف بعضهم بعضاً ويعمروا الأرض حق عمارتها ليكونوا قد أدوا الأمانة فينالوا بذلك سعادتهم في الدنيا والآخرة .

من هنا كانت هذه العبادت في القرآن الكريم وسائل تؤدى إلى غاية من الغايات أو هدف عظيم، فالصلاة في المفهوم القرآني وسيلة يستعان بها لما هو أعلى منها واستعينَوا بالصبر والصلاة ( واستعينو ا وانهالكبيرة الا على الخاشعين) البقرة 45  وكذلك الصيام هو وسيلة فقط إلى غاية تسمى التقوى (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ/ البقرة: 183

فالغاية هي التقوى كما في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )البقرة : 21  والتقوى هي اداء تكاليف العبادات كما أمر الله مالخوف منه يوم الحساب الذى يمنعه من ارتكاب كافة أنواع المعاصي و كفّ الأذى والعدوان والبعد عن الظلم والبغي والتقرب الى الله بتلاوة القران والتدبر فى آياته واتباع ما ا؛ل الله وما حرمه.. قال تعالى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ/ المائدة: 2

إن الله يأمر المسلمين بالتوسع في أعمال الخير والإحسان والتعاون في كافة سبل الخير والاصلاح بين الناس والتكافل في مساعدة المحتاجين ورفع الضرر عن المظلومين والامتناع كلياً عن مساعدة الظالمين وإعانة المعتدين واتباع سبل العدل والدفاع عن الحقوق.

وقد ابُتليت الأم ببعض فقهاء السوء خدعوا الناس باجتهاداتهم وما استمدوها من روايات تدعم استنتاجاتهم لصرفهم عن الخطاب الإلهي للناس وعمل هؤلاء بدعوتهم إلى حصر الأركان فى العبادات، وعملوا على إلهاءالناس وصرفهم عن الغايات والأهداف العليا للإسلام واستبدالها بالوسائل، لأن العبادات سهلة التطبيق ولا تحتاج الى جهد في مجاهدة النفس وتطويعها وكبح جماحها في تدريبها على أخلاق القرآن وفضائله النبيلة التي أمر الله المسلمين بأن يلتزموا بها في معاملاتهم وسلوكياتهم.

وليس في كل الأحوال تكون النوايا حسنةً والمقاصدُ طيبةً، بل إننا نستشعر أن حملات استهداف الأمة فكرياً وعقائدياً كانت الروايات والاسرائليات   تقف خلف هذا الهدف للحيلولة دون قيام الأمة ونهوضها لينشغل المسلمون فى دوامة المناظرات والفلسفات المستوردة من اروبا والانزلاق فى تصديق الروايات التى فرقت المسلمين شيعا وطوتئف واحزابا يقاتلون بعضهم بعضا فى حين نقرأ  فى القران أنّ النبي جعله الله رَحمَةً لِلعَالميَنَ بقوله تعالى (وماارسلناك الا رحمة للعالمين ) الأنبياء: 107

ثم لا نرى هذه الرحمة عند المسلمين، ونقرأ أنّ القرآن ذِكرُ لِلعَالمينَ حيث يقول سبحانه (ولقد يسرناالقران للذكر فهل من مدكر) القمر 17 وقوله تعالى  ان الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا ممارزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ) فاطر 29  ثم لا نراهم يتلون القرآن ولا يتدبرون ما فيه من حكم ونصائح ولا   ويتفكرون في خلق السماوات والأرض أو يستنبطون منه التشريعات اللازمة لضبط نظم الحياة ومتطلباتها من قوانين تنظم حياة المجتمعات الإسلامية بتشريعات وضوابط  لسلوكيات إفراده.

ذلك أنَّ حشد الروايات الملفّقة، وفتاوى علماء السلطان على مر العصور كانا سبباً فى هذا الالتباس الذى نراه في فهم المسلمين لاركان الإسلام، وإذا أردنا العودة للتعرف على رسالة الإسلام قبل هذا التغيير فلابد من العودة لمصدر الإسلام الاول قبل حدوث هذا التبديل الكبير والتقصير ألا وهو القرآن الكريم لنقف على أركان الإسلام الكاملة لا المختزلة، والتي على رأسها لأخلاق والعدل والرحمة والحرية والسلام والفضيلة وتحريم الفساد في الأرض والتي نادت بها دعوات الأنبياء جميعاً  في مختلف العصور.

تأتي الرسالات لتؤكّد أنَّ الله قد خلق الإنسان على هيئة من العلوّ والرفعة ارتقت به عن سائر مخلوقاته بقوله تعالى (ولقد كرمنا بنى ادم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) الاسراء 170 مع تكريم الله للانسان سخر له كل الثروات الى على الارض ومافى باطنهافهو مخلوق لإعمار هذه الأرض بالعلم والمعرفة التى علمه الله الاسماء كلها عند خلق (آدم) لتوظيف نعم الله لماينفع الناس ويحقق لهم متطلبات العيش الكريم بقوله سبحانه ( وسخر لكم مافى السماوات ومافى الارض جميعامنه ان فى ذلك لاآيات لقوم يتفكرون ) الجاثية 13 كل تلك النعم تتطلب شكرا لله بالمحافظة عليها والقيام بواجباتها لتنفع الناس جميعا اضافة الى مايجب اتباعه من الخلق الكريم والتسمك بالفضيلة اساسها الرحمة والعدل والمحبة والتعاون والاحسان والسلام.

فهل يمكن أن يحسن بنو آدم إعمار الأرض واستثمارما فيها من ثروات وهم في  نزاع وقتال وتظالم وحسد وكبرياء وصراع أبدي؟

ولذلك أتى الأمر الإلهي بالتعاون على البرّ والتقوى و عدم التعاون على الإثم والعدوان وأكرم الناس عند الله المتقين الذين يتقبل الله منهم اعمالهم وعباداتهم قال تعالى  ( بلى من أوفى بعهده فان الله يحب المتقين ) ال عمران 76

الذين يخافون الله ويخشون عقابه والذين اتبعوا الشيطان وتخلّوا عن أوامر الله حيث يدفعهم الشيطان للظلم واقتراف الإثم والجرائم وأكل اموال الناس بالباطل فجزاءهم عندالله يوم القيامة عذاب عظيم بينما يأمر الله سبحانه الناس بالاحسان والتعاون والرحمة والعدل والسلام اذا اتبعوه حيث يتحقق لهم عيشا هنياوسلاما دائمًا.

لذا يمكننا القول فى جزم قاطع، أن غير المسلم الذي يحقّق من خصال التقوى وحسن المعاملة مع الناس  وكف الأذى والعدوان هو أكرم عند الله من فقيه مسلم مستبد أو كاذب أو ظالم لايخاف الله ولا يخاف عقابه يوم الحساب.

ولذلك سيتفاجأ المسلمون الظالمون بهذه الآيات في الآخرة وسوف يقولون عندما يرون العذاب يوم القيامة (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ/ السجدة : 12

تأمل القول فى هذه  الآية (نعمل صالحا )  ( ولم يقل نعلم) فالمصيبة المهلكة ليس في العلم وإنما العمل، أي ليس في الجهل البسيط،وإنما العدوان والظلم والكذب والغش وإضاعة الأمانة انماالعمل الصالح بالرحمة والعدل والاحسان للإنسانَ والتمسك بالسلوك القويم الذى يدعواليه القرآن الكريم تأكيدالقوله تعالى  (وَمَن أحسَنُ قَولًا مِمَّن دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّني مِنَ المسُلِمينَ ) فصلت33  إنّ ما تمّ الاعتقاد به أنّ أركان الإسلام خمسة إنما هي مجموعة العبادات والشعائر التى يؤديهاالمسلمون وهي في حقيقتهاتؤدى الى الارتقاء بسلوكيات الإنسان من خلال جملة من الأخلاق والمبادئ النبيلة والقيم الانسانية السامية، وهي لا تختلف ولا تتبدل من نبي إلى آخر ولا من أمة إلى أمة، فالصدق والأمانة والعدل والأمن والرحمة هي أخلاق مأمور بها عند كل الأنبياء وعند مختلف الأمم،  . فالإسلام في حقيقته هو الأخلاق والمبادئ  الواردة في القرآن الكريم، وتتحدّد في أوامر الله تعالى ونواهيه للناس ليصِلوا إلى تحقيق مراد الله فى آياته لينعم الإنسان فى حياته الدنياليعيش آمناً فى مختلف المجتمعات البشرية ترفرف عليهم بركات الله ورحمته آمنين من اهوال يوم الحساب باتباع التشريع الإلهيَ لقوله تعالى ( قُلْ تَعَالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِاَلْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكَمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون151)(  وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وَأوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِاَلْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاَعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تذكرون )  152( وَأنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقْونَ/ الأنعام : 153

وقال تعالى : )إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمنُكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(النحل : 09 )

وقال تعالى: (وَإِمّا تُعرِضَنَّ عَنهُمُ ابتِغاءَ رَحمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرجوها فَقُل لَهُم قَولًا مَيسورًا) 28( وَلا تَجعَل يَدَكَ مَغلولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَلا تَبسُطها كُلَّ البَسطِ فَتَقعُدَ مَلومًا مَحسورًا) 29(  إِنَّ رَبَّكَ يَبسُطُ الرِّزقَ لِمنَ يَشاءُ وَيَقدِرُۚ  إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبيرًا بَصيرًا) 30( وَلا تَقتُلوا أولادَكُم خَشيَةَ إِملاقٍۖ  نَحنُ نَرزُقُهُم وَإِيّاكُممۚ  إِنَّ قَتلَهُم كانَ خِطئًا كَبيرًا) 31( وَلا تَقرَبُوا الزِّنا إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبيلًا 32)(  وَلا تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إِلّا بِالحَقِّۗ  وَمَن قُتِلَ مَظلومًا فَقَد جَعَلنا لِوَلِيِّهِ سُلطانًا فَلا يُسرِفَ فِي القَتَلِۖ  إِنَّهُ كانَ مَنصورًا وَلا تَقرَبوا مالَ اليَتيمِ إِلّاَ بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ حَتّىٰ يَبلُغَ أشُدَّهُ ۚ  وَأوفوا بِالعَهدِ إِنَّ العَهدَ كانَ مَسئولًا 34)(  وَأوفُوا الكَيلَ إِذا كِلتُم وَزِنوا بِالقِسطاسِ المسُتَقيمِۚ  ذٰلِكَ خَيرٌ وُأحسَنُ تَأويلًا 35)(  وَلا تَقفُ ما لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌۚ  إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالَفُؤادَ كُلُّ أولٰئِكَ كانَ عَنهُ مَسئولًا 36)(  وَلا تَمشِ فِي الأرضِ مَرَحًااۖ  إِنَّكَ لَن تَخرِقَ الأرضَ وَلَن تَبلُغَ الجِبالَ طولا) 37 (  كُلُّ ذٰلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكروهًا) 38(  ذٰلِكَ مِمّا أوحىٰ إِلَيكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكمَةِۗ  وَلا تَجعَل مَعَ اللَّهِ إِلٰهًا آخَرَ فَتُلقىٰ في جَهَنَّمَ مَلومًا مَدحورًا(39)(الإسراء.).

وقوله تعالى:  (فَما أوتيتُم مِن شيءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنيا وَما عِندَ اللَّهِ خَيرٌ وَأَبقىٰ لِلَّذينَ آمَنوا وَعَلىٰ رِبّهِم يَتَوَكَّلونَ36)(وَالَّذينَ يَجتَنِبونَ كَبائِرَ الإِثمِ وَالفَوَاحِشَ وَإِذا ما غَضِبوا هُم يَغفِرونَ٧) 3( وَالَّذينَ استَجابوا لِرَبِّهِم وَأقامُوا الصَّلاةَ وَأمرُهُم شورىٰ بَينَهُم وَمِمّا رَزَقناهُم يُنفِقونَ38)( وَالَّذَينَ إِذا أَصابَهُمُ البَغيُ هُم يَنتَصِرونَ 39)( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُهاا  فَمَن عَفُا وَأصلَحَ فَأجرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ  إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمينَ 40)( وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ فَأولٰئِكَ ما عَلَيهِم مِن سَبيلٍ إِنَّمَا السَّبيلُ 41)( عَلَى الَّذينَ يَظلِمونَ النّاسَ وَيَبغونَ فِي الأَرُضِ بِغَيرِ الحَقِّۚ  أُولٰئِكَ لَهُم عَذابٌ أَليمٌ 42)(  وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذٰلِكَ لَمِنَ عَزمِ الأمورِ 43)(  وَمَن يُضلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن وَلِيٍّ مِن بَعدِهِۗ  وَتَرَى الظّالِمينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقولونَ هَل إِلىٰ مَرَدٍّ مِن سَبيلٍ(الشورى 44)

إنّ أركانَ الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وحج هي وسائل تُذَكّر الانسان بتلك التشريعات الالهية و القيم والمبادئ التي ذكرها الله تعالى فى الآيات الكريمة أعلاه ،  التي يجب على الإنسان أن يلتزم بها قولاً وعملاً  يؤدي تكاليف العبادة ويعمل صالحاً فينالُ بذلك سعادتَه في الدنيا وسعادتَه في الآخرة.

 

المصدر :

«المسلمون.. بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي»، والصادر عن «دار النخبة للطبع والنشر والتوزيع»، للباحث والمفكر الإسلامي الكبير علي محمد الشرفاء الحمادي.

Comments

comments

شاهد أيضاً

هذه هي بنود «رسالة الإسلام الحقيقية»

لقد اقتضت إرادة الخالق سبحانه وتعالى رحمة بعباده، أن يبعث لهم خِطابًا كريمًا ليُخرجَهم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

kernekotokiralama.com
%d مدونون معجبون بهذه:
hd porno malatya reklam malatya web tasarim porno izle porno konulu porno konulu porno konulu porno kardes porno deutsche porno deutsche porno van escort şanlıurfa escort